عودة الى العناوين

الصحة البيئية


الدكتور محمود مهدي بربوتي/ مدير المختبرات في وزارة البيئة



تعد حماية البيئة من الدعامات الأساسية ضمن ممارسات الصحة العامة بسبب الأثر الكبير للبيئة على الصحة العامة. ويؤدي تضافر الجهود البلدية الإقليمية والمحلية لتأمين الهواء النظيف وتوفير المياه والأغذية الأمينة والإدارة السليمة للمجاري والنفايات البلدية والحد من أو السيطرة على وسائل نقل الأمراض في تحسين الصحة العامة في عالم اليوم. ومع ذلك فإن ما يخصص لتقييم المخاطر الصحية التي ترافق التعرض الى المواد الخطرة محدود. وتساهم المعرفة الجديدة للتفاعل بين تغيرات جينية معينة في البشر وعوامل بيئية محددة أيضا في تحسين ظروف التعرض البيئي الذي يؤدي الى الأمراض.
ولعل البيئة بما تحمله من المسببات المرضية تمثل واحدة من ثلاثة عوامل رئيسية في صحة الإنسان إذا علمنا أن العاملين الآخرين هما العوامل الوراثية والسلوك الشخصي. إن التعرض للعوامل الخطرة في الهواء والماء والتربة والغذاء والمخاطر الفيزيائية في البيئة أسباب رئيسة في الإصابة بالأمراض والعوق والموت في أنحاء كثيرة من العالم. كما أن تدهور الظروف البيئية يؤدي الى بطء عمليات التنمية المستدامة. فالبيئة السيئة مسؤولة تقريبا عن نحو 25% من الحالات المرضية التي يمكن تفاديها والتي على رأسها حالات الإسهال والالتهابات التنفسية.

ويعد الإعلام والتوعية البيئية من التوجهات الحديثة والمفيدة في هذا المجال حيث نشر كتاب (الربيع الصامت) عام 1960 وتلته الحملة الكبيرة عن (قناة لوف) وأثرها على السكان في غرب نيويورك عندما استخدم موقع للنفايات الخطرة لأغراض مدنية لتأجيج الوعي باتجاه المسائل البيئية. ومن هنا بدأت مصطلحات جديدة بالدخول الى قواميس حياتنا اليومية مثل (المواقع الرصينة ونوعية المياه والهواء النظيف والاوزون والزحف الحضري والتسربات الزراعية). ففي عام 1993 فقط صرفت 109 مليارات دولار للسيطرة على التلوث وكاستقطاعات ضريبية بيئية في الولايات المتحدة. ولا يزال العديد من المواقع الملوثة قائما. ولا يزال المجال مفتوحا أمام الباحثين لدراسة الأوبئة والسموم البيئية باتجاه تحسين إدارة ومعالجة الآثار الصحية على البشر الذين يتعرضون للمخاطر البيئية. وتهتم دراسات الصحة البيئية بستة جوانب: الهواء الجوي، نوعية المياه، النفايات، المنازل والمجتمعات الصحية والبنى التحتية والرقابة.

الهواء الجوي:
يبقى تلوث الهواء مشكلة بيئية وصحية رئيسية تسبب الوفيات والإصابة بالسرطان والتلف المزمن للجهاز التنفسي. كما أن تلوث الهواء يقلل مدى الرؤية ويخرب المحاصيل الزراعية والمباني ويرسب الملوثات على التربة والمسطحات المائية التي تؤثر على كيمياء المياه والأحياء التي تعيش فيها. ولنا أن نتصور كم من البشر يقطنون في أماكن يمكن اعتبارها خطرة وفق مقاييس المنظمات المسؤولة عن البيئة من حيث وجود واحد أو أكثر من الملوثات الستة الرئيسية للهواء التي وضعت لها المحددات. إن تلوث الهواء مشكلة محلية وعالمية في الوقت ذاته. لقد بدأت المجمعات السكنية بالزحف نحو المواقع الصناعية المختلفة التي تعد مصادر لتلوث الهواء كما في منطقة سدة الهندية (حول مصانع شركة الفرات للصناعات الكيمياوية). ورغم الجهود المبذولة لتقليل المواد المنبعثة الضارة بالصحة لا تزال مشكلة تلوث الهواء تفصح عن آلاف الأطنان من ملوثات الهواء السامة التي تطلق سنوياً. ولعل تراكيز الاوزون والنسب العالية من الدقائق وأكاسيد الكبريت وأحادي أوكسيد الكاربون الناتجة من عوادم السيارات من الأمثلة المتداولة.



نوعية المياه:
يعد توفير مياه شرب صحية الهدف الرئيس لمنشآت إنتاج المياه. وخلال النصف الأول من القرن العشرين كانت البكتريا السبب الأول في تفشي الأمراض التي ينقلها الماء. وبدءا من السبعينيات أصبحت الكيمياويات والكائنات الدقيقة الأسباب السائدة. تكمن المشكلة الرئيسة في تقييم العلاقة بين مياه الشرب والأمراض الانتقالية في قلة الإمكانات التقنية للكشف عن التلوث بالفطريات وتقدير ما إذا كان الميكروب حيا ويسبب الالتهابات. وطبيعي ان تطوير تقنيات التحليل والفحص لتقدير وقياس تلوث المياه سيعزز من جهود مراقبة نوعية المياه. ينجم تلوث المياه من مصادر نقطية (المواقع الصناعية) وأخرى غير نقطية (كالتسربات الزراعية). وتتدهور نوعية المياه السطحية كثيرا بالتلوث البايولوجي والكيمياوي أمام استخدامها للسباحة والصيد والأغراض الترفيهية الأخرى.




السموم والنفايات:
هناك شحة في المعلومات عن مستويات التعرض الى المواد الخطرة في البيئة وما يترتب عليها من آثار صحية. وبالنتيجة يصعب تأمين الإجراءات الناجعة لمنع الأضرار الصحية في البيئة. إن تشخيص المواد والنفايات السامة سواء كانت صناعية أو بلدية والتي تسبب مخاطر صحية بيئية يعد انجازا متميزا بحد ذاته. تهدف ستراتيجيات الصحة البيئية إلى متابعة مدى نجاح الإجراءات التي تقوم بها السلطات لإزالة أو تقليل تأثيراتها. إن المواد الخطرة والسامة ومن ضمنها النفايات المشعة التي تترسب على الأرض تنتقل بعيدا عن مصادرها بفعل الهواء والمياه الجوفية والمياه السطحية في الأنهار والبحيرات حيث يمكنها أن تتراكم في الترسبات في القاع. هنا يجب اتخاذ القرارات المناسبة لإدارة عمليات تنظيف هذه المواقع آخذين بنظر الاعتبار القلق على الصحة العامة. ان الاستخدام الواسع للمبيدات في الزراعة والمنازل ومحلات الترفيه يؤدي إلى إدخال تهديد جديد من هذه المواد السامة للأشخاص الذين يستعملونها من خلال التداول (المزج والرش) بصورة عشوائية أو بكثرة. كما ان الأطفال أكثر عرضة لأخطار التسمم بالمبيدات بسبب صغرهم وسوء خزن المبيدات أو انتشارها على بعض السطوح التي في متناولهم.


المساكن والمجتمعات الصحية:
تعتمد الصحة البيئية على تفاعل عوامل متعددة. ولغرض توفير بيئة صحية ضمن المجتمعات، يجب الأخذ بنظر الاعتبار الأماكن التي يقضي الناس فيها معظم أوقاتهم (البيوت ، المدارس والمكاتب). وهناك مصادر خطر كامنة بما في ذلك تلوث الهواء المنزلي ، التدفئة الرديئة ، التبريد والخدمات الصحية ، وكذلك المشاكل الإنشائية وأضرار الحريق والكهرباء ومخاطر الطلاء الحاوي على الرصاص. وتشير الإحصاءات الى ان نحو 90 بالمائة من حالات التسمم تكون في البيوت.

البنى التحتية والرقابة:
تتطلب الوقاية من المشاكل الصحية الناجمة عن مخاطر بيئية ما يأتي:
1- تأمين موارد وكوادر جاهزة لأعمال التحري والتحرك لمعالجة الحالات المرضية والإصابات التي تسببها المخاطر البيئية.
2- مراقبة السكان وبيئتهم للكشف عن المخاطر وتعرض المجتمع والأفراد الى المخاطر والأمراض التي تحدثها.
3- متابعة الناس والبيئة لتقييم فعالية برامج الوقاية.
4- التثقيف بعلاقة الصحة بالبيئة.
5- التحقق من كون التعليمات والممارسات تقي السكان والبيئة من العناصر الخطرة.
6- تزويد الناس بمعلومات مفهومة ومفيدة عن المخاطر ومصادرها وانتشارها وتأثيراتها الصحية.
7- التنسيق بين جهود المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني المسؤولة عن الصحة البيئية.
8- تأمين الموارد الملائمة لتوفير هذه المستلزمات.

الصحة البيئية الشاملة:
إن ازدياد معدلات السفر ووسائل الاتصال الحديثة جعلت العالم صغيرا. ويبرز الآن مفهوم المجتمع الشامل أو العالمي حيث ان الموارد الطبيعية المشتركة (الهواء والماء والتربة) ساعدت في تجميع الناس معاً. فالنشاطات في كل بلد تؤثر على البيئــة وعلى ما يحدث في أرجاء العالم الأخرى. ومما لا شك فيه أن البيئة تؤثر في صحة الجميع. كما أن الفوائد المتحققة في موقع ما قد تنعكس بشكل سلبي في مواقع أخرى من العالم. فمثلا قامت الولايات المتحدة عام 1996 بتصدير ما تزيد قيمته عن مليارين ونصف المليار دولار من المبيدات. فالمبيدات المصدرة غير مسجلة أو ممنوعة الاستخدام في أميركا ولكنها تستخدم في الدول النامية. ان استخدام هذه المبيدات ليس مجرد خطر على السكان وإنما يلوث الغذاء الذي يمكن أن تصدره هذه الدول إلى أميركا. وطبيعي أن يكون الأشخاص الأكثر تحسسا كالأطفال والحوامل في حالة خطر من جراء هذا التعرض البيئي. وينسحب هذا أيضا على المنتجات الحاوية على الرصاص والتوجه إلى منعها أو تقليل معدلات إنتاجها أو استخدامها.




التعليم البيئي وتنمية الوعي لمختلف المراحل الدراسية

اعداد: المهندس حبيب عبد الرزاق جوحي/ دائرة بيئة بغداد

التعليم البيئي (المنهجي) ظاهرة حديثة نسبيا على المستوى العالمي اتسعت لتشمل عددا واسعا من البلدان بما فيها البلدان المحيطة بالعراق. وبالرغم من اتساع تلك الظاهرة الا ان هذا النمط من التعليم مازال شأنا مجهولا في بلادنا. وهدف التعليم البيئي هو وضع الجمهور في التعامل مع بيئته لتحقيق تنمية مستدامة. كما تهدف المعرفة البيئية لجعل المواطن اكثر توافقا مع البيئة من خلال تنمية برامج التعليم والتدريب والتوعية لتشمل..
1- حق الانسان في العيش في بيئة نظيفة وتوفر شروط الحياة الكريمة الامنة.
2- اعداد التشريعات والقوانين المعنية بحماية البيئة وتنمية مواردها.
3- المحافظة على الموارد الطبيعية.
4- اعتبار حماية البيئة من التدهور واجبا مع الايمان بحقوق الاجيال اللاحقة بالتمتع بالموارد البيئية.
5- اعتماد التعليم والتوعية البيئية كجزء من مناهج التعليم لمختلف المراحل الدراسية لتشجيع الطلبة على المشاركة في مواجهة التحديات البيئية.
6- تنشيط ادوات التعليم والاعلام (المرئي والمسموع والمقروء) في الجهود الرامية لنشر الوعي البيئي.

مستويات التلوث البيئي
يعتمد مستوى التلوث البيئي على مكونات بيئية اساسية ثلاث هي الماء والهواء والتربة.
أ- الهواء : يمكن اجمال الاضرار المباشرة وغير المباشرة لتلوث الهواء على الصحة البشرية والعالم الاحيائي وكما يلي..
1- زيادة حدة الامراض الموجودة اصلا وتأخير امكانية علاجها وارتفاع نسبة المتأثرين بتلوث الهواء خصوصا عن الشرائح التي تعاني من امراض الجهاز التنفسي وغيره.
2- زيادة الاصابة بامراض السرطان بالرئة في المدن المكتظة بالسكان والمدن التي تعاني من سحب الدخان المتواصلة وكثرة وسائط النقل فيها والمعامل الملوثة. ويضاف دخان الحرائق كعامل مسبب لامراض السرطان لدى الحيوانات.
3- ان انطلاق غاز الكبريت الذي يتفاعل مع الهواء الرطب وماء المطر لتكوين حامض الكبريتيك يسبب تأثيرا ضارا للتربة والمياه والكائنات الحية وحقول المزارع كما تتسبب التراكيز المرتفعة من الكبريت باحداث اصفرار في جزء واسع من المحيط الشجري وسقوط الاوراق. وقد تؤدي الاصابة بهذا الغاز الى موت اعداد كبيرة من الضفادع والحيوانات الداجنة بسبب اختناقها بهذا الغاز.
ان تأثيرات تلوث الهواء على عالم الحيوان والنبات اصبح معروفا الا ان تأثيرها على عالم الحيوان اكبر منه على عالم النبات ويظهر ذلك بقوة في المناطق التي تشهد حرائق متواصلة جراء عمليات التخريب او المناطق الصناعية. واظهر عدد من الدراسات ان التلوث الهوائي اثر على انتاج الصناعات الغذائية ودمر منتوجاتها نتيجة تلوث الهواء الناجم من غبار الاسمنت او اكسيد الكبريت. ويعد التلوث الصناعي من اهم مصادر هذا التلوث ويتجلى في احد اشكاله من اطلاق كميات من الملوثات (الهوائية او السائلة او الصلبة ) عند عملية الانتاج الصناعي وتشمل قطاعات الصناعات الاستهلاكية ، الغذائية ، التحويلية ، الزراعية والكيمياوية ، البتروكيمياوية والصناعات الانشائية.

ب- الماء : يشكل تراجع الخدمات اليومية وبالاخص في مجال مياه الشرب اثرا مباشرا على الصحة العامة فمياه الشرب الملوثة تتسبب بمجموعة كبيرة من الامراض منها الامراض الانتقالية (التيفوئيد ، الجيارديا ، الزحار الاميبي ، التهاب الكبد الفايروسي) التي انتشرت في عقد التسعينات بعد حرب الخليج الثانية وفرض العقوبات على العراق كما توضح بيانات وزارة الصحة العراقية ويلعب التداخل بين شبكات مياه الشرب وشبكات الصرف الصحي في المدن وتسرب كميات هائلة غير معالجة من مياه الصرف الصحي والتي تقدر بنصف مليون طن يوميا للمحيط المائي للانهر وكثافة الملوثات الصناعية والمبازل وغيرها دورا في رفع مستويات التلوث للمياه الجارية ، يضاف الى ذلك ضعف كفاءة ونوعية محطات وشبكات تنقية وتوزيع مياه الشرب. وتشتمل الموارد المائية على.. جميع الانهار وروافدها ، الجداول والترع والقنوات وفروعها ، البحيرات والاهوار والبرك والمجمعات المائية ، المبازل وفروعها ، الينابيع والابار وغيرها من المياه الجوفية ، شط العرب والمياه الاقليمية ، الامطار والثلوج والخلجان التي تكونها.

المشاكل البيئية
يجب الاخذ بنظر الاعتبار المشاكل البيئية الاخرى التي اهمها..
1- التلوث الناتج عن الحرائق النفطية التي ظهرت كاكثر الحوادث تكرارا خلال العامين المنصرمين فهي تنتج غاز اول اكسيد الكاربون والهيدروكاربونات المتعددة الروائح فضلا عن انتاج السخام الكاربوني واكاسيد الكبريت والنتروجين وثاني اوكسيد الكاربون والرادون.
2- نفايات الرعاية الصحية والمحارق ، ونفايات البلديات ومواقع الطمر الصحي وتشمل النفايات والمواد الخطرة على.. مواد متفجرة ، مواد مساعدة على الاشتعال ، ومواد سريعة الاشتعال ، مواد سامة ، مواد حامضية وقاعدية ، ومواد مشعة (كاليورانيوم المنضب وغيره).

نصائح وارشادات
1- يجب اخذ مياه الشرب من انظف مصدر ممكن وحينما لانكون واثقين من كون هذا الماء صالحا للشرب فيجب غليه قبل شربه.
2- لايجوز غسل الجسم او الملابس او الاواني او الادوات في منبع مياه الشرب.
3- لايجوز التبول او التبرز في مصدر مياه الشرب او بالقرب منه.

اما في ما يخص الصحة الشخصية فانه يجب مراعاة التالي..
1- ان الاقذار والنفايات والبول والبراز تحتوي على جراثيم تسبب مختلف الامراض المعدية ومنها ما يسبب الاسهال.
2- يجب غسل اليدين دائما عند تحضير الطعام وقبل الاكل او اطعام الاطفال كما يجب غسل ايدي الاطفال ايضا.
3- يجب حرق النفايات او دفنها او نقلها الى مكان بعيد عن المدينة وعن مصادر مياه الشرب.
4- يحمل الذباب الجراثيم من القاذورات والنفايات والفضلات ويضعها على الطعام لذا يجب ابعاده عن هذه الاماكن بتنظيفها وحرقها او دفنها وتغطية الطعام حفاظا على نظافته ومنع الذباب من الوصول اليه وتلويثه.




مخاطر تلوث السلسلة الغذائية بالمبيدات

المهندس الزراعي أحمد صباح محمد
دائرة شؤون المحافظات في وزارة البيئة

شهدت السنوات الأخيرة من القرن الماضي تزايداً ملحوظاً لإنتاج المبيدات الكيميائية في العالم ، وأصبحت المبيدات بصورة عامة والحشرية منها بصورة خاصة ، إحدى الوسائل التكنولوجية المعتمدة لزيادة الإنتاج الزراعي ومكافحة الأمراض المميتة للإنسان والحيوان. والمبيدات عبارة عن مادة كيميائية تقتل أو تمنع أو تحدّ من تكاثر وانتشار الكائنات الحية التي تنافس الإنسان في غذائه وممتلكاته وصحته.
ومن المعروف أنه في السنوات الأخيرة صار نحو 56% من سكان العالم يعانون من نقص الغذاء ، وتزداد هذه النسبة الى نحو 79% في دول العالم الثالث. ومع وصول عدد سكان العالم في عام 2000 الى نحـو 6-7 مليار نسمة ، بات من الضروري زيادة الإنتاج الزراعي. وتعد المبيدات الكيميائية إحدى الوسائل الحديثة التي تعمل على زيادة الإنتاج ، فإضافة الى دورها في القضاء على عدد كبير من الآفات الضارة بالنباتات أو الحد منها ، فهي أيضاً قادرة على القضاء على الحشرات الناقلة للأمراض. ولا ينكر أحد الدور الكبير والفعّال الذي لعبته المبيدات الكيميائية بمختلف أنواعها في الماضي والحاضر ، حيث أنقذت عشرات الملايين من البشر من الموت. غير أن هذه المبيدات لها في المقابل آثار سلبية كثيرة ، إذا لم تستعمل وفقاً لمعايير دقيقة.

تأثير المبيدات على الحياة البرية:
بما أن أغلب المبيدات تتصف بالثبوت الكيميائي وبقدرتها على الانتقال والتراكم عبر السلسلة الغذائية فإن جميع الأحياء تتأثر بها فتبدأ بالتراكم بنسب ضئيلة جداً في رتبة دنيا من السلسلة الغذائية صعوداً إلى الرتب الأعلى .
فمثلا ، عند رش بحيرة كلير بولاية كاليفورنيا بمبيد (DDD) شبيه بالمبيد (DDT) بتركيز ضئيل (0.014) جزء بالمليون للقضاء على الذباب الكثيف في مياه البحيرة ومع مرور الوقت لوحظ ان الأسماك والطيور والبط البري قد ماتت ، وبالتحليل تبين أن ماء البحيرة يحتوي على (0.014) جزء بالمليون من المبيد وانتقل الى العوالق (البلانكتون) وهي كائنات حية مجهرية تعيش طافية في البحار والمياه العذبة بنسبة (5) اجزاء بالمليون ثم إلى نسيج الأسماك الصغيرة التي تتغذى على العوالق بنسبة أعلى ثم إلى الأسماك المفترسة بتركيز (22 - 221) جزءا بالمليون في العضلات و (40 - 2400) جزء بالمليون في الدهن وفي نهاية السلسلة الغذائية وصل التركيز إلى طير الغطاس بنسبة (1500 - 2500) جزء بالمليون ونتيجة لذلك لم يبق من الألف زوج من الطائر سوى ثلاثين زوجا أصيبت كلها بالعقم كما كان لها تأثير على الطيور كالنسر الأميركي والصقر والعقاب والباز ، اذ أدت تراكيز الـ (DDT) التراكمية إلى التدخل في العمليات الكيمياوية المؤدية إلى تكوين عنصر الكالسيوم في أجسام الطيور وأدى ذلك إلى وضع بيوض رقيقة هشة غير قادرة على حمل وزن الأم أثناء فترة الحضن فتكسرت قبل فقسها وقد تأثرت منطقة الخليج العربي بهذه الظاهرة حيث كانت تشتهر بطيور الصقر والعقاب غالية الثمن لجمالها وقوتها.
كذلك تؤثر المبيدات على الكائنات النباتية المائية فهي تقلل من قابلية النباتات على القيام بعملية التركيب الضوئي اللازمة لإطلاق الأوكسجين اللازم للكائنات الحية الموجودة في المياه وبما ان معظم هذه النباتات موجودة في المياه الضحلة فهي أول الطريق الذي تصله المبيدات.. كما تأثرت حشرات مفيدة كالنحل والحشرات الملقحة مما أدى إلى انخفاض معدل التلقيح في الأزهار إضافة إلى ضعف قوة طواف النحل نتيجة لموت عدد كبير من النحلات العاملات فضعف محصول العسل ومحاصيل البساتين بسبب عدم تلقيح أزهارها.

التأثير في التوازن الطبيعي:
نتيجة الإسراف في استخدام المبيدات حصل خلل في الدورة الطبيعية للبيئة بما فيها من أحياء فأدى ذلك إلى انقراض بعضها وتكاثر أعداد أخرى بل وظهرت كائنات جديدة من نوع معين لها صفات مكتسبة مقاومة للمبيد كظهور حشرات ذات طبقة كيتينية سميكة تمنع وصول المبيد إلى أحشائها وبالتالي عدم موتها وتكاثرها بأجيال لها الصفات الجديدة وبالتالي وجب تطوير مبيدات ذات قدرات اكثر فتكا. كذلك ادى الإسراف في استخدام المبيدات إلى فقدان التوازن بين الآفة واعدائها الطبيعيين وإلى زيادة كبيرة وغير متوقعة لبعض أنواع الآفات ومن الامثلة على ذلك ..
1ـ هاجم مرض خطير محصول الكاكاو في غرب أفريقيا بسبب فيروس يحمله النمل وعندما استخدم مبيد ضد النمل انخفضت الإصابة بالمرض ولكن ظهرت أربع حشرات جديدة تكاثرت واصبحت اكثر خطرا على المحصول.
2ـ ظهور حشرة النطاط الكبير في كينيا على محصول البن بسبب مبيد (الباراثيون) الذي استعمل للقضاء على حشرات أشجار البن فكانت النتيجة ان المبيد قتل احدى الطفيليات التي تتغذى على النطاط الكبير مما جعله يتكاثر بشكل كبير ليلحق الضرر في أشجار البن.
3ـ رش المبيد على حشرة المن التي تصيب كثيراً المحاصيل الزراعية كالقمح والقطن والحمضيات وتكرار الرش ادى إلى القضاء على حشرة البوالعيد عدو حشرة المن.
4ـ انتشار العنكبوت الأحمر ودودة اللوز في مصر بأعداد كبيرة جداً بسبب موت أعدائها الطبيعيين حيث كانت قبل استخدام المبيدات بأعداد ضئيلة وغير ضارة بالنباتات.
5ـ تهديد بعض الحيوانات بالانقراض كالحدأة والغراب والغزلان وغيرها من الحيوانات الآيلة للانقراض.

تأثير المبيدات على الإنسان:
لقد وجدت آثار المبيدات في دهون جسم الإنسان ففي عام 1961 بلغ متوسط المبيدات الهيدروكربونية المكلورة في الأنسجة الدهنية عند الفرد الواحدة (925) مليغراما في الولايات المتحدة الأميركية وفي فرنسا (370) مليغراما والنسبة آخذة بالارتفاع. ان المبيدات اصبحت موجودة في كل كائن حي نباتي أو حيواني وبما ان الانسان هو المستهلك الأخير في الهرم الغذائي فإن هذه المبيدات ستنتقل إليه بالتراكم عبر غذائه.
فمثلا ، ان رش (0.1) ملغ / ليتر من المبيد على النباتات يتضاعف بمعدل (10) مرات عند الانتقال من رتبة إلى اعلى في السلسلة الغذائية لتصبح (1) ملغ / ليتر في الحشرات ثم (10) ملغ / ليتر في الطيور الصغيرة ثم (100) ملغ / ليتر في الطيور الجارحة لتنتقل في النهاية لجسم الانسان بنسبة (1000) ملغ / ليتر وهكذا نجد أن الانسان هو المتضرر الأكبر من المبيدات. في عام 1961 وعام 1967 منعت أميركا دخول أكثر من 300 ألف رطل من لحوم البقر من نيكاراغوا لاحتوائها على مبيد ال (DDT) أكثر من الحد المسموح ، حيث أن وجود هذا المركب بمقدار (64) ملغ لكل كيلو غرام من الجسم يمكنها أن تزيد من الأورام السرطانية ، في الكبد والرئتين والأنسجة الرخوة والنسبة تتضاعف إلى أربع مرات عند الحيوانات وقد تبين أن مرضى السرطان يحتفظون في دهونهم ما يعادل مرتين ونصف من ال (DDT) من الأشخاص العاديين ، وهناك مبيدات لا تستطيع أن تنحل بالدهون لذلك يتم تحويلها إلى مركبات قابلة للتحلل بالماء فتطرد من الجسم بالبول. وكان للمبيدات تأثير على معدل الخصوبة عند الرجال في إحدى الدول الأوروبية مسببة العقم فانخفضت نسبة الخصوبة إلى (35%) منذ عام 1956 إلى 1992) وللمبيدات الهيدروكربونية المكلورة تأثير سمي قاتل وذلك لقابليتها على الانحلال في الأغشية الدهنية المحيطة بالألياف العصبية مما يحدث خللاً في تبادل الشوارد من وإلى الليف العصبي وبالتالي حدوث الارتجاف ثم التشنج ثم الموت كما ان للمبيدات الفوسفورية العضوية الأعراض السابقة نفسها بسبب اتحادها مع انزيم استيل كولين استيراز الموجود في التشابك العصبي العضلي الذي يساعد على نقل السيالة العصبية من نهايات الأعصاب إلى العضلات وهذا الاتحاد يثبط عمل الانزيم وحدوث التسمم المميت ومن أكثر المبيدات إثارة للرعب هي مركبات الدايوكسين ويرمز له (tcdd) ويوجد بشكل شوائب في المبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب وفي المطهرات والمواد الحافظة للطعام ، ويسبب أمراضا جلدية لا علاج لها أحياناً تسمى بالطفح الجلدي الكلوري ، والدايوكسين من أكثر المواد سمية حيث أن نصف غرام منه قادر على قتل 350 شخصا وهذه المادة مسؤولة عن احداث التشوهات الخلقية والتي كثرت هذه الأيام وخاصة في البلدان التي استخدمت المبيدات بكثرة كمصر وأندونيسيا ، حيث يقوم الدايوكسين بتفكيك جديلة الحمض النووي منقوص الأوكسجين (dna) المسؤول عن نقل الصفات الوراثية وأن تفككه وعدم التحامه مرة أخرى يؤدي إلى حدوث هذه التشوهات الخلقية وما التوائم الملتصقة إلا حالة منها لذلك قام المسؤولون عن الصحة العامة في كندا وأميركا بتقدير الدايوكسين الموجود في الأسماك التي تعيش في بحيرة أونتاريو وهي من البحيرات العظمى فكانت نسبته من 3 إلى 8 أجزاء من التريليون وأكبر كمية موجودة منه في تربة ومياه فيتنام بسبب رش الجيش الأميركي مبيدات الأعشاب لكشف الغطاء النباتي لسهولة القضاء على قوات الفيت كونغ الفيتنامية.
وتنتقل المبيدات بطرق الاستعمالات المباشرة للمبيد كالملامسة أو من أبخرة المبيد أثناء الرش سواء في الاستعمالات المنزلية أو الصناعية أو الزراعية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما حدث في نيكاراغوا حيث وقعت أكثر من 3000 حالة تسمم وما يربو على 400 حالة وفاة بين العمال الذين يعملون في حقول القطن سنوياً على مدى عشر سنوات بين (1962- 1972) ، وفي الهند بلغ عدد حالات التسمم 100 حالة عام 1958 و74 حالة عام 1967 وفي سوريا 1500 أوائل الستينات ومازالت المبيدات تحصد المزيد.




ضوضاء الطائرات وأثرها البيئي والنفسي

معهد الطيران المدني.. مواد منهجية في اطار سياسة الحد من تأثير الضوضاء

كتابة: مهدي صادق الحسني

اصبحت وسائل النقل الجوي المدني في عالمنا اليوم ذات اهمية كبرى في حياة البشرية وتقدم الدول وازدهارها على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية حيث وضعت دول كثيرة ستراتيجيات وبرامج متطورة وسخرت امكانياتها المادية والبشرية في دعم النقل الجوي المدني لما يشكله من اهمية لشعوبها وتقدمها الحضاري.. كذلك اسست في هذا المجال الاتحادات والمنظمات الدولية وشركات التأمين الجوي لتطويره وسنت القوانين والتشريعات التي تنظم سير عمل النقل الجوي المدني بين دول العالم اجمع. ويزداد يوميا عدد الشركات العاملة في هذا المجال كما يزداد عدد المطارات في العالم بسبب الاقبال المتزايد من المسافرين على هذه الواسطة وكذلك في النقل التجاري للبضائع.
ولتلبية متطلبات هذا التطور السريع في تكنولوجيا النقل الجوي فقد عمدت العديد من الدول المتقدمة الى افتتاح جامعات وكليات ومعاهد متخصصة لتدريس وتدريب العاملين في مجال النقل الجوي واعداد الكوادر المتخصصة في اقسام وفروع هذا المجال الحيوي الفنية والادارية والخدمية.
وكان العراق من اوائل دول المنطقة التي وضعت اهمية كبيرة لاعداد كوادر متخصصة للنقل الجوي المدني حيث يعد معهد الطيران المدني العراقي الذي تأسس نهاية الخمسينيات من القرن الماضي احد المعاهد التدريسية والتدريبية المتخصصة في مجال النقل الجوي المدني لاعداد الكوادر العراقية التخصصية في جميع مجالات النقل الجوي الفنية والادارية والخدمية.
مجلة (البيئة والحياة) التقت الاستاذ عبد الوهاب ابراهيم العزاوي احد اساتذة المعهد وسألناه عن بداية تأسيس المعهد والمراحل التي مر بها . فاجاب قائلا ..
تأسس معهد الطيران المدني عام 1959 بمساعدة منظمة الطيران المدني الدولية ، وفي عام 1970 اعترفت منظمة الطيران المدني بالمعهد واعتبرته احد المعاهد الدولية. ويعد معهد الطيران المدني واحد من المعاهد العربية الخمسة المنضمة الى اكاديمية الطيران المدني الدولية ، وفي عام 1984 باشر المعهد بفتح دورات تخصصية لنيل شهادة الدبلوم الفني في مراقبة الحركة الجوية واختصاص اتصالات الطيران والاجهزة الملاحية.
س/ ماهي الاقسام التي يضمها المعهد واهم الاهداف التي يتوخاها ؟
ج/ ان المعهد يضم حاليا اكثر من خمسة اقسام تشمل مراقبة الحركة والملاحة الجوية والتدريب على اتصالات الطيران ، والنقل الجوي ، وادارة وتشغيل المطارات ، واللغات الاجنبية والخدمات الجوية .. مشيرا الى ان الهدف من انشاء هذا المعهد هو تهيئة واعداد وتطوير الملاكات الهندسية والفنية والتشغيلية والادارية المتخصصة في مختلف مجالات الطيران لمنتسبي المنشأة العامة للطيران المدني والخطوط الجوية العراقية فضلا عن اعداد الدراسات والبحوث وتقديم الاستشارات الفنية والعلمية الى الهيئات المتخصصة ضمن مجالات اختصاصية والمساهمة في تهيئة وتطوير الكفاءات الفنية والتشغيلية العاملة في مجالات الطيران المدني للدول العربية.
س/ كما تعلمون فانه يتولد عن حركة اقلاع وهبوط الطائرات ضوضاء وضجيج شديد التأثير على الانسان فهل هناك اساليب تتخذ للحد من الضوضاء في المطارات ؟
ج/ الضوضاء هو صوت غير مرغوب فيه يؤدي الى تشنجات عصبية ونفسية وحتى الكلام او الموسيقى تعد ضوضاء اذا تجاوزت الحدود التي تتقبلها حاسة السمع لدى الانسان ومع التقدم العلمي والتكنولوجي وظهور الطائرات وعلم الطيران دخل علينا ضيف ثقيل اسمه الضوضاء الناتج من حركة الطائرات ومع الاقبال على بناء المطارات والكثافة الجوية على الاقلاع والهبوط بدأنا برسم سياسة معالجة الحد من هذا الزائر المزعج حماية للانسان والبيئة من الاثار الناجمة عن هذه الظاهرة التي تعد احد العناصر الملوثة للبيئة والتي تنعكس بآثارها السلبية على صحة الانسان ونفسيته وسلوكه.
واوضح ان للضوضاء تأثير على العاملين وهذا التأثير يؤدي الى التوتر النفسي وعدم القدرة على التكيف في محيط العمل وان هناك اجراءات للحد من ضوضاء الطائرات منها انشاء المطارات بعيدة عن المناطق السكنية واستخدام الواقيات اضافة الى تحديد الاماكن الخاصة بصيانة الطائرات اثناء التشغيل والصيانة كما يجب ان تكون مدارج الاقلاع والهبوط بعيدة عن مرور الطائرات فوق المناطق السكنية والمستشفيات واستخدام اساليب الاقلاع والهبوط ذات المستوى الواطيء للضوضاء ومنع بعض انواع الطائرات من الهبوط والاقلاع مثل طائرة البوينغ 707 . وحسب اعتقادي فان حماية العاملين في المطارات العراقية ليس بالمستوى المطلوب وحسب السياق العالمي. علما ان مادة الضوضاء هي احدى المواد المنهجية التي يتم تدريسها في المعهد لزيادة التوعية والحصانة البيئية للدارسين فيه الى جانب المواد الاخرى التي تدرس في المعهد.
س/ ماهي المخاطر التي يتعرض لها الانسان من ضوضاء الطائرات وماهي اجراءات الوقاية منها ؟
ج/ هناك نوعان من تأثيرات ضوضاء الطائرات على الانسان .. الاول التأثيرات السمعية ويتعلق بالصمم المؤقت حيث يتعرض الانسان الى ضعف القدرة السمعية للخلايا ويزول تأثيره بعد الابتعاد عن مصدر الضوضاء بعدة ساعات وان العاملين بالمطارات الذين لايستعملون كاتمات الصوت لفترة طويلة يتعرضون الى صمم دائم كذلك هناك الصمم المهني حيث يتعرض العاملون في المطارات الى عدم القدرة على السمع بسبب ظروف العمل غير الجيدة .. اما النوع الثاني فهو التأثيرات غير السمعية وتشمل التأثيرات النفسية وهي الشعور بالضيق اثناء العمل وصعوبة التفاهم وكثرة الاخطاء وانخفاض انتاجية الفرد. كذلك صعوبة في التركيز والاداء الذهني وضعف القدرة العضلية والسيطرة عليها مما يؤدي الى عدم التوازن فضلا عن ان الضجيج يؤدي الى اختلاجات في نبضات القلب وسرعة التنفس.
واخيرا سألناه عن اهم النقاط الواجب اتباعها للوقاية من ضجيج الطائرات فاجاب قائلا .. ان الوقاية من ضوضاء الطائرات تشتمل على اجراءات فحص كل العاملين في ساعات الطيران طبيا قبل البدء بالعمل والتأكد من سلامة الاذن من المرض بعد اجراء الفحص الطبي والتأكد من كفاءتها ، وان يتم فحص العاملين في حقل الطيران كل ستة اشهر للتأكد من سلامة الاذن واخيرا استخدام واقيات الاذن للحفاظ على السلامة وتقليل تأثير شدة الضوضاء عليها.