أثر الهجرة القسرية على البناء الاجتماعي لسكان الأهوار


محمد حمود ابراهيم

                                                                                    عدي بجاي شبيب

 المستخلص :-

                      تعتبر بيئةالاهوار بجانبيها الاجتماعي والطبيعي بيئة فريدة من نوعها لعدة اعتبارات موضوعية ومنطقية، مما جعل لسكانها افرادا وجماعات ميزات وخصائص تختلف عن سكان البيئات المجاورة لها في الريف والحضر . ولقد ساهمت هذه البيئة في بلورة ثقافات فرعية خاصة بها تتكون من نسيج العادات والتقاليد و الاعراف والقيم التي تؤمن بها وتتفاعل معها . لكن بقاء هذه البيئة مغلقة على نفسها لفترات طويلة وعدم مواكبتها للتغير الاجتماعي الذي كان يحصل في الريف والمدينة بأستمرار جعل منها مصدرا رئيسيا للتخلف الاجتماعي من خلال التنشئة الاجتماعية الخاطئة وأجترار الافكار البالية وتفشي ألامية وأستعمال الوسائل البدائية في التربية والمعيشة والسكن .



      ولقد وجدت المجتمعات التي كانت تسكن في أعماق الاهوار نفسها وعلى حين غرة في مواجهة مجتمعات تختلف عنها نوعا ما أو بنسبة كبيرة جدا في التوجهات وفي التعامل مع مفردات الحياة بعد ان نزحت هذه المجتمعات الهورية على شكل امواج أصطدم الجزء الاكبر منها بالقصبات و الحواضر المحاذيةللاهوار، بعد القرار الاكثر غباءا في التاريخ و القاضي بتجفيف الاهوار في عام 1993 فلم يكن بدا من الهجرة القسرية بعد ان أجدبت الطبيعة وغابت مظاهر الحياة
ولأن النزوح كان عشوائيا فقد حشر المهاجرون الجدد انفسهم في الاحياء الضيقة والفقيرة والتي كانت تشكو أصلا من نقص فاحش في الخدمات ألاساسي، ولاشك فأن هؤلاء قد أثرو وتأثرو بسكان المناطق التي نزحوا اليها في مختلف الانساق الايكولوجية و الاقتصادية و القرابية والثقافية التي يتكون منها مجمل البناء الاجتماعي لأي مجتمع في العالم . ويحاول هذا البحث أن يسلط ألاضواء على ما أفرزته هذه الهجرة من نتائج بعد مرور أكثر من عقد من الزمان عليها

ABSTRACT

  The environment of the marshes in its social and cultural is un que for many logical and objective considretions which made certain charactistics for its people as indivituals and groups, that were differ from the Counitres in the countryside and town. This environment participaed in creating branches cultures for its own consist of the habits and customs that they believe and interacted with them

This environment stayed close ourself for along time and not escorting the social change that was happened in the country side and the town, all these reasons made of main resorca to the social backwards because of the wrong social education and the old  ideas that prevalentand illitracy and the using of the primitive

Ways in living and education
The communities that were living in the depth of the marshes found it self facing the other communities that were differ from it from some or alarge extent in the directions and the dealing with the activitions of lifeother declination of that marshes communities in uniformof waves , great part chashed by the edyes of marshes after the most stupid resolution in the history to dry the marshes in 1993
That pushed the people to imigrated because of the absence of the life .The imigrants found themselves in the poor and narrow places because of the random declination. That places were orginally suffer of lackry the principale services so with no suspicious those people effecfed by the people of those wreas by the cultural social and econamic. That amost of the social building consists of them in any community in the word

This research tries to shad lights on the results of that emigration after a decade passing


             الفصل الأول

                        البناءالاجتماعي في الاهوار قبل تجفيفها

 

                                    المبحث الاول ( الإطار العام للبحث )

اولاً : مشكلة البحث :-

   يعتقد الباحثان أن الهجرة المفاجئة و العشوائية لسكان الأهوار الى المدن و القصبات المجاورة او البعيدة قد احدثت خللاً في البناء الإجتماعي لمجتمعاتهم و للمجتمعات التي هاجروا اليها .

 

ثانياً : أهداف البحث :-

         يأمل الباحثان من وراء دراستهما هذه تحقيق مجموعة من الأهداف التي يمكن اجمالها بالآتي :-

1-   إحياء البحث السوسيو – انثروبولوجي لبيئة الأهوار التي افتقرت لأية دراسة موضوعية منذ خمسينات القرن العشرين .

2-    محاولة دراسة التغيرات التي حدثت على البناء الإجتماعي لسكان الأهوار و لسكان المناطق المهاجر اليها بعد النزوح الاضطراري الذي حدث أثر التجفيف .

3-    محاولة الإستفادة من اخفاقات و نجاحات التجارب السابقة التي حاولت الإسهام في انتشال سكان الأهوار من واقعهم المتخلف .

4-       محاورة الأسئلة الآتية :

أ‌-     هل من الممكن تحويل بيئة الأهوار الى بيئة صالحة للإبداع ؟

ب‌-       ما هي الطرق العلمية و الموضوعية المناسبة لعودة الأهوار ؟

ج‌-       هل ساهمت الهجرة في تغيير نمط التفكير التقليدي لسكان الأهوار الى نمط متحضر ؟


ثالثاً : صعوبات البحث :-

     واجهت الباحثين مجموعة من الصعوبات كان ابرزها عدم تعاون العينات الخاضعة للدراسة بصورة تامة، مع عدم الحصول على مخبرين جيدين و صادقين بسهولة،كذلك صعوبة الحصول على البيانات بسبب الفوضى التي تعم الدوائر، بالإضافة الى فقدان العنصر الأمني مما جعل الزيارات الميدانية التي كان يقوم بها الباحثان لمناطق الأهوار لا تخلو من أخطار حقيقية .

رابعاً : أهمية البحث :-

       تتجلى أهمية هذه الدراسة من أهمية المشكلة التي تم تحديدها، لما للبناء الإجتماعي من أهمية كبيرة و واضحة في تقدم او نكوص أي مجتمع في العالم ، و تتضح هذه الأهمية بصورة أكبر اذا ما عرفنا ان هذه البيئة ظلت مهملة و مهمشة لفترات طويلة من الزمن، مما يجعل من دراستها أمرا ًضروريا وغاية في الأهمية .

خامساً : المجال المكاني :-

      يمكن تحديد هور السناف مجالاً مكانياً للدراسة، كما يتم تحديد مدينة سوق الشيوخ لهذا الغرض ، اذ كان الأول يمثل المناطق الطاردة للسكان بينما كان الآخريمثل المناطق الجاذبة لهم، حينما استوعبت الموجات النازحة بعد عملية التجفيف التي استقرت في احياء الشهداء و الصلبة و 7 نيسان و الحي العسكري .

سادساً : المجال الزماني :-

    تعتبر الفترة الزمنية المحصورة بين الأعوام 1993 – 2004 مجالاً زمانياً لهذه الدراسة

المبحث الثاني

 

( النسق الايكولوجي )

 

     تؤدي البيئة وظيفة رئيسةً و مهمةً في حياة الإنسان ، و منذ الأزل كانت المحاولات مستمرة لتطويع البيئة او للتكيف معها . و كلما كانت أدوات الإنسان تقليدية كان انصياعه أكثر للظروف البيئية التي تحيط به مما يجعله تحت رحمتها، و لا تخرج بيئة الأهوار عن هذه القاعدة، اذ ظل سكانها بعيدين عن عجلة التطور ، فسكنهم و وسائل نقلهم و أدوات صيدهم بل و حتى علاقاتهم الإجتماعية كانت و لا زالت في أغلبها بدائية استعملها أسلافهم قبل آلاف السنين . و يعتبر هور السناف ( موضوع الدراسة ) جزءاً من الأهوار الجنوبية التي تقع على امتداد الجانب الأيمن من نهر الفرات . و يحد هور السناف، الذي كانت مساحته العميقة الدائمية تبلغ ( 270 ) كم2 بينما تصل المساحة الموسمية التي تغمرها المياه في مواسم الفيضان ما يقارب 600  كم 2 من الجنوب و الجنوب الغربي البادية الجنوبية و من الشمال مدينة سوق الشيوخ و ضواحيها بينما يحده من الشرق و الجنوب الشرقي هور الحمار و العشائر التي تقطن على مصبات الأنهار و الجداول بين سوق الشيوخ و كرمة بني سعيد .

يتغذى هور السناف من مجموعة كبيرة من الأنهار و الجداول التي تتفرع جميعها من الجهة اليمنى لنهر الفرات بعد اجتيازه لسوق الشيوخ و أهم هذه الجداول كرمة النواشي ،الزعيلية ، ختلان ، أم الطبول ،الطليعة ، العتيبية ، الياسرية ، الأصيبح ، الكرماشية ، ام التمن، و حين وصول نهر الفرات الى ناحية كرمة بني سعيد فأن أحد الفروع الثلاثة الكبيرة التي تتفرع عنه يتجه نحو الجنوب ليتفرع بدوره عن عدد آخر من الجداول التي تصب جميعها في الهور . و تشق هذه الجداول طريقها وسط كثافة سكانية تستقر على جوانبها تمثل عشائر النواشي و حجام و آل حسن و هي عشائر مستقرة و شبه متحضرة في بعض الأحيان تسكن في مواقعها الحالية منذ مئات السنين. و تعتبر هذه المناطق حلقات وصل بين الحياة الحضرية في المدن و بين الحياة البدائية في الهور .

      لا يمكن الخلط بين سكان المناطق الريفية التي تحيط بالأهوار و بين سكان الأهوار الحقيقيين على أنهم مجتمعات من نوع واحد كما يتطرق لذلك الكثير من الباحثين و المهتمين، والدليل على هذا الإفتراض هو ما نجده من تباين في عادات و تقاليد و قيم و اعراف كل طرف من الطرفين . أن الطابع الريفي و السكن المستقر و الزراعة الموسمية و الدائمية قد طبع ثقافة سكان هذه المناطق بطابع شبه متحضر ناهيك عن التصاقها بالمدينة التي بدأت تؤثر في هذه الأرياف منذ وقت ليس بالقصير . إلاّ أن الفوارق المشار اليها بين الهور و الريف ليست قاطعة تماما اذ ان السكان الذين يقطنون مصبات الجداول في الهور و التي تسمى محلياً ( الذنايب ) يحاورون سكان الأهوار القريبين منهم في بعض المظاهر الحياتية . و قد قسمت هذه العشائر الريفية حين هجرتها الى هذه المناطق قبل مئات السنين كياناتها الى قسمين كانا يعرفان ( الحضر و المعدان ) أو ( القرية و المعدان ) للتفريق بين من يسكن على اليابسة تماما و بين من يسكن المناطق التي كانت تغمر بالمياه في مواسم الفيضان و قد كان هؤلاء يمارسون حياة المعدان بصورة شبه كاملة .

 


النباتات الدائمية و الموسمية في الهور :-

 

      يعتبر القصب Reed  و البردي Bulrushes  النباتان الرئيسان في مناطق الأهوار الدائمية و منها هور السناف ، كما تنمو الكثير من أنواع الحشائش و الأدغال و النباتات المائية التي يكون بعضها دائمياً و بعضها الآخر موسمياً ، فقريباً من جذور نباتات البردي و في مواسم شحة المياه ينمو نبات النعناع Mentha sp. و أبو ركبةlternathera sessile  و لسان الثور Potmogeton Lucens  و القاط Potamogeton senegalense و الحلبلاب Oxystelma و اذان الفار Epilobium Senegalense و المرير Sonch us Maritimus  و العلكة Rubus  و شبابيك Pluchea  و الكمبار Trachomitum  .

 


ايكولوجيا السكن :-

 

      يلجأ بعض سكان الأهوار الى الترحال من منطقة الى أخرى تبعاً للمراعي الجيدة لجواميسهم، او نتيجةً لظروفٍ تظطرهم للرحيل و هنا يكون ( الشكص ) وحدة السكن الرئيسة فتوضع في قوارب الرحل الذين ينتقلون بصورة شبه دائمية،او من قبل اولئك الذين يهاجرون في مواسم صيد الأسماك الى مناطق بعيدة عن سكناهم او الذين يهاجرون في مواسم الزراعة و الحصاد و جني التمر الى المناطق الريفية . و يشبه ( الشكص ) في عملهِ  ( الخيمة ) عند البدوي، اذ تنصب كلا الوحدتين على عجل و تطوى على عجل . و تكون مادة ( الشكص ) خالصة من القصب و هو عبارة عن أعمدة مقوسة و متقابلة مسقوفة بالحصران ( البواري )
    لكن اغلب سكان الأهوار يعيشون في مساكن افضل من الشكص اذ تستقر الجماعات العشائرية فوق جزر صغيرة موجودة أصلاً في الهور و قد استغلها سكانها في البناء فوقها و تسمى أغلب هذه الجزر ( بالإيشانات ) و مفردها ( يشان )، و يرجع بعضها الى حضارات ضاربة في القدم لكن سكانها يجهلون أن تحت مرابط دوابهم مدن و قرى سومرية و أكدية . و من أهم المواقع الأثرية الموجودة في هور السناف ( أم الودع )و(ايشان الخويسة) أما الجزر الإصطناعية فهي التي يقوم اصحابها بتكوينها من خلال تجميع البردي و القصب و تكديسه في مناطق ضحلة بالمياه نوعاً ما و تسمى مفردها ( الجباشة ) و كلما غاصت هذه في الماء خاصة في مواسم الفيضان قام اصحابها بتدعيمها بالمزيد من البردي

تبنى المساكن في الهور على شكل أكواخ متلاصقة مع بعضها، و تقوم هذه الأكواخ المقوسة على مجموعة من الأعمدة المتقابلة التي تسمى ( الشِباب ) و مفردها ( شَبة )، و أطر رابطة افقياً تسمى ( الهطر ) و مفردها ( هطار )، و مسقوفة بالحصران التي تسمى ( البواري ) و مفردها ( بارية ) . و تلحف جوانب الكوخ في الشتاء بالبردي الذي يحافظ على درجات حرارة معتدلة بينما ترفع هذه في الصيف ليُسمح بمرور الهواء البارد اليها بعد اصطدامه بالماء . و لا بد أن يحتوي ( بيت القصب ) او الكوخ على سرير مصنوع من القصب ايضاً يستخدم للجلوس و المنام و يسمى ( السجيفة )، و قد يوجد في وسط الكوخ موقد دائري مصنوع من الطين المفخور يوضع فيه الوقود الذي يتكون من بقايا سيقان القصب الجافة او روث الماشية الذي يصنع على شكل اقراص تسمى ( المطال ) و يستفاد من الموقد للتدفئة و للطبخ في آنٍ واحد و يوضع القدر فيه على ثلاثة قواعد من الطين المفخور التي تسمى ( المناصب )

المبحث الثالث

 

( النسق الإقتصادي )

 

      يمكن تعريف النسق الإقتصادي على انه الدراسة الواسعة للنشاط الإنساني الذي يتعلق بمحاولة الإنتفاع من مصادر الثروة الطبيعية التي تحيط بالإنسان من أجل اشباع الحاجات البايولوجية و الإجتماعية له .(1)

و لا يختلف النسق الإقتصادي في مناطق الأهوار عن أي نسق اقتصادي آخر في المجتمعات التقليدية اذ تكون علاقة الإنسان علاقة مباشرة بالطبيعة فهو يعيش وسط مفرداتها و يتعامل معها وجهاً لوجه دون الحاجة لواسطة أخرى . و لا توجد في الهور ملكية أراض بصورة واضحة و مع ذلك فلكل عشيرة تسكن هناك حدودها المتفق عليها . لكن الحدود الوهمية هذه غالباً ما تخترق من عشائر اخرى لا سيما في وجود حالات السلم و الإستقرار فيكون من الممكن ان ترعى قطعان الجاموس في غير مناطق اصحابها او ان يذهب افراد العشيرة للصيد او لقص القصب في مناطق تابعة لعشيرة اخرى .

    إن هيلامية الحدود في الهور غير مقبولة على الإطلاق في الريف المحاذي له حيث الحدود فيه موضوعة بالأمتار و اجزائها اذ يقوم اصحابها باستغلالها على أكمل وجه حين توفر الظروف الملائمة .

و هذا يفسر العلاقة الجدلية بين الفلاح في هذا الريف و بين الأرض التي كان يلتصق بها الى ابعد الحدود . ان الأرض التي تمتاز بثباتها و استمرارها و عدم فنائها و محدودية مساحتها و استعدادها للعطاء جعلها مركزاً لمختلف الفعاليات و التفاعلات الإجتماعية و الإقتصادية و الثقافية و صور التفاوت الطبقي و انماط الحراك الإجتماعي و مراكز النفوذ و القوة و السلطة و الصيت و السمعة .(2)

    و ليس هذا فحسب بل ان نظام الملكية يسهم في تشكيل مختلف مظاهر الحياة الإجتماعية و الإنماط الثقافية الأخرى التي تؤلف البناء الإجتماعي و الثقافي . و لهذا نجد العشائر التي تسكن في الريف أكثر تحضراً من سكان الأهوار .

الفعاليات الإقتصادية في هور السناف

 

أولاً / جمع القصب و صناعة الحصران :

    ينمو القصب في هور السناف بكثافة و هو نبات مائي طويل يبدأ في النمو منذ شهر كانون الثاني، و في شهر نيسان يبزغ عوده و يسمى بـ ( العنقر ) الذي يكون الغذاء المفضل للماشية في أواخر الشتاء و أوائل الربيع و يصل طول القصب في أواخر مراحل نموه الى ما يقرب من ( 20 قدماً ) و يجتهد سكان الأهوار في طلب القصب في جميع مراحله حتى يصل الى مرحلة ( الجرد ) اذ يتم قصه بمسافة تبعد ( 30 سم ) من جذوره ثم يتم تجميعه على شكل حزم لحين وقت استعماله . و يستخدم القصب في مواضع شتى فهو المادة الأساسية للبناء لجميع الوحدات السكنية مثل الكوخ او وحدات الضيافة ( المضيف ) او ( الربعة ) كما يستخدم في بناء ( السوباط الصيفي ) .

     و لا تخلو الصناعات القصبية التي يمارسها سكان الأهوار من جهد و تعب كبيرين فعمليه صناعة الحصر مثلاً تتطلب بعد عملية الجرد المضنية من أعماق الهور اربع عمليات اخرى هي ( التقشير و التشفيق ثم الدق و أخيراً الحياكة ) و لكن لا غنى لسكان الأهوار عن هذه الصناعات التي كانت توفر لهم مردوداً اقتصادياً معيناً.  

 

ثانيا – تربية الماشية:

     يربى سكان هور السناف حيوانات الجاموس والابقار، ويستفاد من الصنفين في الحليب وفي الصناعات المتعلقة بمشتقاتة كالقيمر والجبن والزبدة والذي يباع من قبل أصحابة في السوق بصورة يومية، وعادة ما تقوم النساء بهذة المهمة أذ يحملن قدورهن واوانيهن ويفترشن الأرصفة ويتم البيع على وجبتين الاولى في الصباح الباكر والثانية قبل الغروب . ولا غنى لهؤلاء السكان عن هذين الصنفين من الماشية والعمل على تكثيرها بنحو مستمر لأنهما يمثلان مصادر إنتاجية على الدوام

     وللماشية في المجتمعات البدائية التي تعتمد في أقتصادياتها على الرعي أثر بالغ في حياتها ونظمها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية لدرجة يستحيل معها فهم تلك الحياة والنظم ما لم ينظر اليها من زاوية (الماشية ) ويترتب على ذلك أن يقاس أعتبار الفرد وتحدد منزلته الاجتماعية لحد كبير بعدد رؤوس الماشية التي يمتلكها .(3)

 

ثالثا – الفعاليات الاقتصادية الأخرى :

    هناك مجموعة من الفعاليات الاقتصادية الموسمية وهي أقل أهمية من الفعاليتين الرئيستين المشار اليهما، ومن هذة الفعاليات الهجرات الموسمية التي كان يقوم بها سكان هذا الهور إلى المناطق الزراعية في موسم الحصاد وكذلك في موسم جني التمر . ويندرج ضمن هذة الفعاليات عمليات صيد الاسماك التي كانت حرفة لبعض هؤلاء السكان، ثم هناك صيد الطيور وتقوم النساء والرجال على حد سواء بجلب صيدهم الى الاسواق لبيعها بصورة مباشرة الى المستهلكين أو بيعها بالجملة أذا كان الصيد وفيرآ

الحالة المعاشية :

    يمكننا أن نقسم سكان الاهوار ( المعدان ) على ثلاث اقسام :-

 الاول يمثل السكان الرحل وهم الذين لا مستقر دائمي لهم بل يتنقلون على الدوام طلبآ لمراعي جيدة لجواميسهم التي تعتبرالرديف الحيوي لمعيشتهم .

والقسم الاخر هم المعدان المستقرون في أعماق الهور فوق الجزر الصغيرة الطبيعية أو الأصطناعية ويربون الجاموس والماشية .ويستقر القسم الثالث قريبا من مصبات الانهار في الهور وموقعهم وسط بين القرى المستقرة القريبة في الارياف وبين أعماق الهور ويمارس هؤلاء فضلا عن تربية الماشية زراعة الشلب في موسم الصيف وتكاد أنماط الاختلاف والتباين تتلاشى بين هذة الاقسام في العادات والقيم والاعراف والتقاليد ، أا تكاد تكون مشتركة كما أن تعاملهم المستمر مع الطبيعة حتم عليهم سلوكيات اقتصادية متشابهة وتنشئة اجتماعية متقاربة .

     وتسهم وفرة الغذاء وانعدام المنافسة وضحالة أحلام سكان الهور في سذاجة طموحاتهم التي لا تتعدى زيادة عدد الجواميس أو كثرة عدد الابناء وتزويجهم بصورة مبكرة اوحصول كل واحد منهم على بندقية على الاقل . ولقد اسهمت دوامة التخلف والامية وإهمال الحكومة لهذه المناطق الى غلق طموحات سكانها ومنعها من التطلع الى أفاق أوسع . وعلى الرغم من الجهد الذي يبذله المعيدي ألا أن مردوده الاقتصادي لا يمكن موازنته  بالجهد المبذول في كافة الفعاليات التي أشرنا اليها . والمثل الشعبي الشائع  ( التعب على المعيدي بفلس ) خير شاهد على ذلك . 


وسائط النقل

 

    يستخدم سكان الأهوار مجموعة من الوسائط المائية التي تتباين في حجمها و تقسيمها بحيث تتلائم مع الأغراض المختلفة . فالقوارب المخروطية ذات الأحجام الصغيرة تستعمل في المناطق الكثيفة بالقصب من أجل أن تسمح الممرات المائية الضيقة و التي تسمى محلياً ( الكواهين ) لها بالمرور بسهولة، بينما تستعمل القوارب ذات الأحجام الكبيرة و المسماة ( البلم ) او ( الكعد ) في البحيرات الكبيرة التي تسمى ( البرك ) و مفردها ( البركة ) . و لا يمكن قيادة القوارب الكبيرة من قبل شخص واحد بل غالباً ما يتم ربط حبل في مقدمتها يسمى ( الشاروفة ) يمسكه شخص أو اثنان ليسحبا به القارب و لا تخلو هذه الطريقة من تعب و جهد خاصة اذا كان سير القارب عكس اتجاه مجرى الماء ناهيك عن وعورة الطرق في القرى التي يمرون بها و مهاجمة الكلاب لهم باستمرار .

الا ان التغيير الحقيقي قد حدث في عقد السبعينات عندما انتشر استعمال محركات الدفع المائية في الأهوار الأمر الذي جعل من قطع المسافات الطويلة يتم بوقت قصير مقارنة بالطرق التقليدية التي كانت تستخدم قبلها، و ما لبثت الحكومة طويلاً حتى منعتها مدعية انها تستخدم من قبل جهات معارضة لسياستها تتخذ من الهور مقرا لها

المبحث الرابع

 

( النسق القرابي )

 

    يعتمد النسق القرابي على محورين رئيسيين ، هما علاقات الدم و المصاهرة فالقرابة هي عبارة عن روابط الدم و الزواج و هي علاقات اجتماعية أكثر منها بايولوجية ، ذلك أنها تربط الفرد بروابط الإنتماء . و عليه فان النسق القرابي يعتبر من أهم الأنساق في البناء الإجتماعي للمجتمعات البدائية بصورة عامة و لمجتمعات الأهوار بصورة خاصة . و يقوم نسق القرابة في الهور على قانون الإنحدار عن طريق الأب فيحمل الأبناء و الأحفاد اسماء آبائهم و يرثونهم في المكانة الإجتماعية و الإقتصادية ، فالإنتماء للأب صميمي و ليس للأم كما هو شائع في بعض المجتمعات البدائية .

     ان نظام الإنتساب الأبوي هو الشائع في الهور ، فالإبن لأبيه و يسمح هذا النظام لأقارب الأب ايضاً في الإشراف على ابناء قريبهم و لو من خلال المشورة،ومنذ الصغر يتم تربية الأطفال على التفريق في المنزلة بين الأخ و أخواته فهو الولد الذي يحق له فعل كل شيء وهي البنت التي يحرم عليها فعل أي شيء ، فالخطأ الذي يقترفه الأثنان يكون وبالاً على الفتاة التي قد تدفع حياتها ثمنا له بينما لا يعاقب الذكرالاباللوم والتقريع في اشد الحالات، و هذا راجع الى التراث العربي القديم الذي لا زال يحمله معظم سكان الأهوار و المتمثل في النظر الى المرأة وعاءاً للنسب لا يجوز تدنيسه في الوقت الذي يمارس فيه الرجال اشباع نزواتهم دون رادع اخلاقي صارم، و يمارس الأخ الأكبر دور أبيه في حالة وفاته او غيابه المؤقت فيخضع الجميع لأوامره التي تسري على الرجال و النساء في العائلة . و يكنى الأب باسم ابنه الأكبر و ليس باسم ابنته حتى لو كانت هي الأكبر و حتى اذا لم يكن له ابناء ذكور . و يشترك سكان الأهوار مع سكان القرى و الأرياف و البوادي في العراق بانزال المرأة منزلة أدنى من الرجل و يصل الأحتقار اعلى درجاته في المخاطبة ، فلا ينادي الرجل زوجته او ابنته او اخته باسمها امام الغرباء بل يقول لها ( ولج ) مثلاً أو كلمة ( هيه ) التي تشير للتصغير و التهميش، اما اذا تحدث احدهم عن امرأة من عائلته فلا بد ان يشفع حديثه بكلمة ( تكرمون ) و يسبق الإشارة اليها بكلمة ( خادمتكم ) و حتى في الطعام فلا تستطيع المرأة و هي الأم و الزوجة و الأخت ان تشارك الرجال في نفس المائدة بل تناولها الطعام يجب ان يتأخر لحين انتهاء الرجال من طعامهم . و قد تناقلت التنشئة الإجتماعية العربية هذه القيم عبر الأجيال و ظلت مستمرة في المجتمعات التقليدية و منها مجتمعات الأهوار . و يكاد لا يستثنى مجتمع عربي بدوي أو قبلي من هذه القاعدة ما عدا مجتمعات الطوارق ربما ، و للرجل الحق في ضرب المرأة و توبيخها بل و طردها الى أهلها .

و يرتبط الأقارب برابطة الدم و يشار للأقارب الذين ينحدرون من جد قريب ( بآل فلان ) و يربط هؤلاء بمجموعة أخرى من العوائل الممتدة التي ترجع الى جد مات قبل خمسة او ستة أجيال و يسمى هذا التجمع ( الفخذ ) و تشكل مجموعة من الافخاذ (الحمولة ) بينما تشكل مجموعة من الحمايل (العشيرة ) . وطالما تربط الاقارب الصميمين رابطة الدم فأن اكبر الضرائب التي يجب عليهم تقديمها هي (ضريبة الدم )فللعشيرة الحق على أبنائها في الحفاظ على كيانها . ولكن أبناء العشيرة الذين يقاتلون صفا واحدا
أمام الغرباء يقاتل بعضهم بعضا ايضا في أحيان كثيرة ولا سباب تافهة ويشير المثل الشعبي (أنا وأخوي على أبن عمي وأنا وأبن عمي على الغريب ) الى هذه القاعدة .


نظام الزواج :

      ينتشر الزواج الداخلي في الهور مثل باقي المجتمعات التقليدية ، فبنات العم لابناء عمومتهن وبنات الحمولة لابناء الحمولة وبنات العشيرة لابناء العشيرة ويستطيع كل رجل أن يمنع الفتاة التي تقع ضمن المستوى القرابي له من الزواج من رجل من مستوى قرابي أبعد ، أي الاقرب فالاقرب حتى أذا ما وصل الى أبعد مستوى تجلى ذلك في أن يمنع رجل من زواج أمرأة تنتمي لعشيرتة من رجل ينتمي لعشيرة أخرى ، ولكن المنع يكون على أشده بين أبناء العمومة الحقيقين أي أخوان الاب الذين يشار اليهم ( أبناء عم لح ) يستطيع الرجل الذي يقع ضمن نظام منع واحد على هذا المستوى القرابي أن يمنع زواج أبنة عمه من شخص أبعد منه في القرابة حتى لو ظلت طوال عمرها عانسا . ويضطر بعض (العمام) الى نظام (المفكك) أي أتفاق الاطراف التي تقع ضمن نظام منع واحد على تفكيك اليه هذا النظام من خلال عدم الالتزام بتزويج بنات العم من أبناء أعمامهن حصرا . ويسمى نظام المنع المشار اليه ( النهوة ) .

  

 

   وينتشر في الهور الزواج المبكر أذ تشجع العائله أفرادها الذكور على الزواج الذي يبدأ عادة في سن الخامسة عشرة وتسمح المساحات الشاسعة في الهور وحرية التنقل للفتيات بالتعرف على شباب من حموله أو عشيرة أخرى، ولكن النهوة التي تقف حجر عثرة في طريقهما للزواج قد تؤدي الى أضطرارهما للهرب سوية واللجوء الى مكان أخر ويسمى هذا النوع من الزواج (النهيبة ) الذي يؤدي الى أحداث مشكلة كبيرة في العشيرة، وتتعقد المشكلة عندما تكون المرأة الناهبة هي زوجة لرجل فرض عليها فرضا فقررت الهرب مع فتاها الذي لم يوافق أهلها علية حينما تقدم لخطبتها . ويحاول أهل الرجل (الناهب ) تسوية الامر مع أهل المرأة (الناهبة ) من خلال تحملهم لعقوبيتين في آن واحد هما عقوبتا (الحشم والفصل) وتقدم في أحدهما أو في كليهما أمرأة لاحد أخوة (المرأة الناهبة ) و أمرأة ثانية الى زوجها أذا كانت متزوجة وتسمى المرأة التي تتزوج بهذة الطريقة (الفصلية ) ولا تستطيع هذة الزوجة أن تحصل على حقوقها الكاملة الا بعد وقت طويل وانجابها لعدد كبير من الابناء، وتقدم المرأة (فصيلة ) أيضا في مواقع أخرى مثل حالات القتل التي تحدث نتيجةلاسباب واهية في كثير من الاحيان فيتم تسوية الامر بين الاطراف المتقاتلة بفرض أمرأة أو اكثر كزوجات (فصليات ) لابناء أو أخوة القتيل .

      ومن أنواع الزواج الاخرى هو زواج (الصدق ) أو (كصة بكصة ) ويتم فية تبادل الفتيات كزوجات كأن يقدم الرجل أختة أو أبنته لقاء موافقة الطرف الاخر على تزويجة من أختة أو أبنتة .الا أن النمط الاكثر مهانة للمرأة ذلك الذي يتعلق في أجبارها على الزواج من رجل (كهبة ) أو (هدية ) وغالبا ما يكون هذا الشخص مميزا وموضع احترام العائلة كأن يكون شيخ عشيرة تخاف سطوتة أو سيد ترجو شفاعتة أو غني تدين له العائلة ولا تستطيع سداد ديونها الابهذه الطريقة .

      اما النوع الاكثر مهانة للرجل فهو زواج (الكعيدي ) ووفقا لهذا النوع فأن الرجل لايستطيع الزواج بالفتاة التي يرغب الا أذا وافق على العيش في بيتها ويتوجب عليه القيام بتأدية جميع الاعمال التي تناط به، وتتوافق بعض أنواع الزواج عند سكان الاهوار مع المجتمعات التقليدية ومنها عندما يتزوج الرجل أرملة أخيه المتوفى وهو يلقى الدعم والمساندة من عائلته وأقاربه معتقدين أن هذا الزواج سيحفظ أيتام أبنهم المتوفى من التشرد عندما تتزوج أمه من رجل غريب . كما ينتشر ايضا زواج الرجل بأخت زوجته المتوفاة على أعتبار أن هذه الزوجه الجديدة وهي خالة الايتام سوف تحافظ عليهم أكثر من غيرها ويطلق على هذين النوعين بالزواج الاستمراري أو الزواج البدلي . ووظيفة هذا النمط من الزواج هو الابقاء على علاقات المصاهرة لانها أداة من أدوات التماسك والتضامن الجماعية للعائليتين المتصاهريتين وأبناء الزوج المتوفي ،  وابناء  الزوجة المتوفاة .

ولمراسيم الاعراس طقوسها الطريفة في الهور ، فالعريس الذي يرتدي الثياب البيضاء ويعتمر فوق رأسة الكوفية البيضاء (الغترة) والعقال يتمختر جيئة وذهابا فوق (الجبايشة ) وسط الجموع من ابناء العمومة والعشيرة . وبعد عودة موكب الزفاف الذي يصادف وقت الاصيل ترافقه الهلاهل وقرع الطبول والهوسات واطلاق العيارات النارية في الهواء ، يقدم العشاء للمدعوين  (المعزومين ) من قبل أهل الدعوة (المعازيب ) . وفي أول أوقات الليل يتجمع أهل العريس وأصدقائه على شكل نصف دائرة تحيط بالعريس وهم يهزجون ويزغردون وتدفعه الى كوخ العروس فيدخل عليها محتزما ب(سفيفة ) منسوجة من الوبر وفي وسطها خنجر ومتكتفا بمسدس تجت أبطه وفي بعض الاحيان يمسك بيدة (الشومي ) وهي عصا غليظة ليس للمعيدي عنها غنا في عملية الرعي وحتى في عملية مسيره العادي .

    ويتوجب على العريس ان يفض بكارة عروسه في فترة لا تتجاوز النصف الساعة في اسوأ الأمور إذ يظل الجمع المحتشد من النساء والرجال يحيطون بالكوخ يطالبونه بأنجاز عمله بأسرع وقت من خلال أطلاق الصيحات البوهيمية المصحوبة بالأيحاءات الجنسية التي لاتتوقف حتى يخرج لهم  العريس وقد قدم الدليل الذي هو عبارة عن دماء طازجة تطرز جزءا من ثوبه الابيض ويحتفظ بها حتى ظهيرة اليوم التالي ليقدمها كدليل على رجولته أمام المهنئين الذين يزورونه . ولأن المحيطين بالكوخ هذة الليلة لا تحجبهم عن العريسين سوى حواجز من القصب والبردي التي تؤلف مادة الجدران فأن حوار العرويسين وعراكهم وآهاتهم تسمع من كل من يسترق السمع.


المبحث الخامس

 

 

(النسق القبلي )

 

 

     لا يختلف النسق القبلي الموجود في الاهوار كثيرا عن الانساق القبلية الموجودة في الريف والبادية في العراق والوطن العربي . فسكان الاهوار أو ما يطلق عليهم (عرب الاهوار ) ترجع أصول النسبة العظمى منهم الى القبائل العربية التي كانت تسكن الجزيرةالعربية ثم تحركت نحو العراق بعد الفتح الاسلامي وعشيرة بني أسد خير دليل على ذلك . أننا لا نستطيع أن نقول أن سكان الاهوار يكونون قبائل متكاملة مستقلة ولها حدودها الخاصة بها، أذ أن الكثير من الجماعات العشائرية التي أضطرتها ظروف معينة الى مغادرة مواطنها السابقة والتوجة نحو الهور وجب عليها التعايش في ظل كنف عشيرة أخرىلكبر حجمها أو لقدمها، وعن طريق نظام (الكتبة ) وهوعبارة عن عقد مكتوب بين الطرفين أو مجموعة أطراف ينص على العيش في منطقة العشيرة صاحبة الارض مع مراعاة التقيد بضوابطها الاجتماعية التي تعرف (السواني ) وفي دراستنا هذه سنحاول أن نتابع المناطق التي تستغلها الجماعات العشائرية الخاضعة للبحث والمناطق المحيطة بها .

     أن عدم وجود حدود واضحة في الهور جعل هذة الجماعات تتداخل فيمل بينها. وتختلف هذة الجماعات في حجمها وتكوينها فمنها الصغير جدا الذي لا يتعدى مجموعة من (البيوتات )، ومنها الكبير الذي يتفرع الى عدد من الحمايل والافخاذ . وتفتخر هذة الجماعات فيما بينها أعتمادا على عدد أجيالها التي عاشت في هذة المنطقة والذي  يشير الى قدمها وأصالتها ، فألاجداد الذين أسسوا كيان العشيرة منذ عشرات العقود بقوة السلاح والمثابرة والجد هم مدعاة للفخر والتباهي .

     ان أول ما يصادفنا في عملية مسحنا الجغرافي للمنطقة المشمولة بالدراسة ونحن نتجة من الشمال الى الجنوب هما منطقتا (الهاشمية والسنافية) اللتان تقطنهما والى الجنوب والجنوب الشرقي منهما الجماعات العشائرية التي تسمى (السحالات والطويرات والكرينات ) ثم تليهما عشيرة (الهدابية ) التي تسكن في منطقة (المدفار ) التي تقع الى الشرق من منطقة الخميسية الصحراوية التي كانت تضم مستودعات الاسلحة الضخمة .

وتنتشر بعد ذلك وبأتجاه الشرق والجنوب الشرقي دائما أجزاء من عشيرة النواشي (المعدان) وهي قسم من عشيرة النواشي أذ يسمى قسمها الاخر (النواشي الحضر )، ثم تظهر المناطق التي كانت تستغلها عشيرة (السادة العكدة) وهي عشيرة كبيرة تضم ثلاثة حمايل رئيسة هي حمولة (آل خليفة ) وتسكن منطقة (الخويسة ) كما تستغل عشيرة العكدة منطقة (الفصيلة )،بينما تسكن جماعات (الشغانبة ) في منطقة (الرملة )، والجماعات التي تسمى (النهيرات والبزازنة وآل سويلم) في منطقة السبعات . والجماعات العشائرية الاربعة الاخيرة هي مجرد فروع صغيرة من عشائرها الاصلية التي تقطن في أهوار البصرة والعمارة بصورة دائمية .

    أن المناطق التي حددناها لحد الان هي الاراضي التي كانت مغمورة بالمياة بصورة دائمية أو بصورة موسمية والتي تقع بمحاذاة أو تتبع لاراضي عشائر النواشي وحجام وآل حسن على التوالي من الشمال الى الجنوب، ثم تظهر الاهوار التي تقع بمحاذاة أو تتبع الى عشيرة بني أسد وهي منطقة (الشويعرية ) و(الشاطي) التي تسكنها حمولة (شيخ صالح) ثم منطقة (شان مجبل ) وتقطنها حمولة (آل راشد) ثم منطقة (أبو حديدة) التي تسكنها حمولة(الحدادين) ثم منطقتى (العكيلة) و(الجفة) اللتان تقعان في أعماق الهور، و(آل ويس) و(آل ونيس ) في منطقة (أبو عجاج ) و(آل عنيسي) و
(آل عباس) في منطقة (جويلانة ) و(الخرفية ) كما وتستغل أراضي بني أسد عشائر أخرى مستقلة هي (عبادة ) و(بني مشرف) و( آلبو حمدان) و( آل حسيني) .

     يعتقد أفراد الجماعة العشائرية الواحدة أنهم مولودون من جد واحد عاش قبل عدة أجيال و تعتمد العلاقة بينهم على رابطة النسب المشترك او رابطة الدم التي تدعم وحدة الجماعة و تجدد ولاء أعضاءها على الدوام . و توفر هذه الرابطة الشعور بالقوة الذي يطغى على الأفراد و يحولهم الى قوة دفاع متحدة ضد الخصم . لكن رابطة النسب تسهم فضلاً عن ذلك أيضاً في محاور مهمة أخرى تتعلق جميعها بالتضامن و التعاون في المجالات الإقتصادية و الإجتماعية. و لكل جماعة عشائرية اسم خاص بها و بيرق يحمل شعارها و ( نخوة ) معينة و هي عبارة عن كلمة استنهاض يعرفها جميع افراد العشيرة و يفتخرون بترديدها و تزهق في ظلها الكثير من النفوس عندما تصطدم العشيرة في صراع مسلح مع عشيرة أخرى .

                                                                                             التالـــــــــي